محمد بن جرير الطبري

150

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

البيت خطأ ، وإنما معنى قوله : " واستوين من الضجوع " عندي : استوين على الطريق من الضجوع خارجات ، بمعنى استقمن عليه . وقال بعضهم : لم يكن ذلك الاستواء من الله جل ذكره بتحول ، ولكنه بمعنى فعله ، كما تقول : كان الخليفة في أهل العراق يواليهم ثم تحول إلى الشام ، إنما يريد تحول فعله . وقال بعضهم : قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ يعني به : استوت كما قال الشاعر : أقول له لما استوى في ترابه * على أي دين قتل الناس مصعب وقال بعضهم : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ عمد إليها . وقال : بل كل تارك عملا كان فيه إلى آخره فهو مستو لما عمد له ومستو إليه . وقال بعضهم : الاستواء : هو العلو ، والعلو : هو الارتفاع . وممن قال ذلك الربيع بن أنس . حدثت بذلك عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه أبو جعفر عن الربيع بن أنس : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ يقول : ارتفع إلى السماء . ثم اختلف متأولو الاستواء بمعنى العلو والارتفاع في الذي استوى إلى السماء ، فقال بعضهم : الذي استوى إلى السماء وعلا عليها : هو خالقها ومنشئها . وقال بعضهم : بل العالي إليها الدخان الذي جعله الله للأَرض سماء . قال أبو جعفر : الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه : منها انتهاء شباب الرجل وقوته ، فيقال إذا صار كذلك : قد استوى الرجل ، ومنها استقامة ما كان فيه أود من الأَمور والأَسباب ، يقال منه : استوى لفلان أمره : إذا استقام له بعد أود . ومنه قول الطرماح بن حكيم : طال على رسم مهدد أبده * وعفا واستوى به بلده يعني : استقام به . ومنها الإِقبال على الشيء بالفعل ، كما يقال : استوى فلان على فلان بما يكرهه ويسوءه بعد الإِحسان إليه . ومنها الاحتياز والاستيلاء كقولهم : استوى فلان على المملكة ، بمعنى احتوى عليها وحازها . ومنها العلو والارتفاع ، كقول القائل : استوى فلان على سريره ، يعني به علوه عليه . وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سماوات . والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ الذي هو بمعنى العلو والارتفاع هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها ، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر ، ثم لم ينج مما هرب منه . فيقال له : زعمت أن تأويل قوله : اسْتَوى أقبل ، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير ، قيل له : فكذلك فقل : علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال . ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله ، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه لأَنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا لقول أهل الحق فيه مخالفا ، وفيما بينا منه ما يشرف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إنه شاء الله تعالى . قال أبو جعفر : وإن قال لنا قائل : أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلى السماء ، كان قبل خلق السماء أم بعده ؟ قيل : بعده ، وقبل أن يسويهن سبع سماوات ، كما قال جل ثناؤه : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً والاستواء كان بعد أن خلقها دخانا ، وقبل أن يسويها سبع سماوات .